تشهد أسواق قطع غيار السيارات في الجزائر موجة ارتفاع غير مسبوقة في الأسعار، تزامنت مع ندرة حادة في العديد من القطع، خاصة الخاصة بالعلامات الأوروبية، وسط اتهامات متبادلة بين المتعاملين الاقتصاديين ومنظمات حماية المستهلك والحكومة حول أسباب الأزمة التي تثقل كاهل مالكي المركبات في بلاد باتت فيها السيارة “حلمًا” كما يصفه المواطنون.
ارتفاع قياسي في الأسعار
تؤكد تصريحات المتعاملين في السوق ومنظمات المستهلك أن أسعار قطع الغيار شهدت قفزات صاروخية، حيث بلغت هوامش الربح في بعض الحالات ثلاثة أضعاف السعر الحقيقي، أي بنسبة ارتفاع 300% . ويشير تجار مثل أمين من ولاية الشلف إلى أن بعض قطع الغيار تضاعفت أسعارها مرتين، مما انعكس حتى على أسعار السيارات المستعملة المخصصة للتشريح، حيث باتت سيارة من نوع “سامبول” تُباع بـ 1.4 مليون دينار على الأقل .
تشابك الأسباب بين المحلي والعالمي
سياسات الاستيراد والبيروقراطية
يرى المتعامل الاقتصادي سعيد منصور، رئيس النادي الاقتصادي الجزائري، أن السبب الجذري للأزمة يكمن في غياب دراسة حقيقية للسوق وعدم وضوح القوانين المنظمة للقطاع . ورغم وجود دفتر شروط ينظم نشاط استيراد وتصنيع قطع الغيار، إلا أن السلبيات ما تزال كثيرة.
ومن أبرز هذه السلبيات، وفق منصور، البطء في المنصة الرقمية التي وضعتها الوزارة، والتي تتطلب وقتًا طويلاً للرد على المتعاملين، وتُلزمهم بعدم إمكانية تغيير الطلبية، مما يدفعهم أحيانًا إلى التوجه جميعًا لصناعة قطعة واحدة دون غيرها .
إشكالية التمويل وسعر الصرف
يربط متعاملون وأيضًا المواطنون في تعليقاتهم الأزمة بـ تراجع احتياطي الصرف، مما دفع الدولة إلى ترشيد الاستيراد والاكتفاء بالضروري فقط. هذا الوضع خلق سوقًا موازية للعملة الصعبة، أدت إلى ارتفاع قياسي في سعر صرف الدينار الجزائري في السوق الموازي، مما ضاعف تكاليف الاستيراد .
يضاف إلى ذلك الرسوم الجمركية والضرائب التي ترفع تكلفة القطع المستوردة بنسبة قد تتجاوز 50% من قيمتها الأصلية، حيث تحسب الجمارك الحقوق والرسوم على أساس القيمة الجمركية مضافًا إليها الحق الجمركي (الذي يصل إلى 30% في بعض الأصناف) ثم الرسم على القيمة المضافة بنسبة 19% .
العوامل العالمية: الأزمة الاقتصادية وتكاليف الشحن
لا يمكن عزل السوق الجزائرية عن المحيط العالمي، حيث يؤكد الخبراء أن الأزمة الاقتصادية العالمية وارتفاع أسعار المواد الأولية كالحديد، بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف النقل والشحن الدولي، ساهمت بشكل مباشر في رفع أسعار قطع الغيار .
هيكل السوق المحلي: الندرة والمضاربة
تسجل منظمة “حمايتك” للدفاع عن المستهلك بارتياب ما تصفه بـ “الارتفاع غير المبرر” للأسعار، خاصة أن وزارة التجارة تحوز على مرجعية رسمية لأسعار الاستيراد يفترض أن تحدد هوامش ربح معقولة .
لكن الواقع الميداني يكشف نقصًا واضحًا في قطع غيار العديد من الماركات المتداولة بكثرة، مما يخلق أرضية خصبة للمضاربة والممارسات الاحتكارية. ويشير تعليق لأحد المواطنين على منشور منظمة حمايتك إلى أن “المواطن يشتري قطع غيار مغشوشة بأسعار خيالية، وقطع غيار مستعملة بأسعار مضاعفة” .
قدم الحظيرة الوطنية وتراجع الاستيراد
يساهم قدم الحظيرة الوطنية للسيارات بشكل كبير في زيادة الطلب على قطع الغيار، بينما أدى تراجع الاستيراد – سواء للسيارات الجديدة أو قطع الغيار – إلى تفاقم الندرة. ويوضح تجار أن غياب السيارات الجديدة قلّص أيضًا من توفر قطع الغيار المستعملة التي كانت تشكل بديلاً مهمًا للمستهلكين .
ويشكو تجار متخصصون في العلامات الأوروبية – الفرنسية والألمانية تحديدًا – من تراجع حاد في حجم الاستيراد، بينما يؤكد آخرون أن استيراد قطع الغيار الآسيوية (خاصة الصينية) يسير بشكل عادي، بل إن الإقبال عليها يتزايد .
إشكالية الجودة: معركة موازية
تكشف التحقيقات الميدانية عن انقسام حاد بين التجار حول جودة القطع المستوردة من الصين وتركيا. فبينما يرفض تاجر مثل أمين من الشلف بيع هذه القطع واصفًا إياها بـ”المغشوشة”، يؤكد محمد من عين مليلة أن عائلته تمتهن هذا النشاط منذ عقدين ولم تتلق أي استياء من الزبائن حول جودة المنتجات الصينية التي تستوردها .
الحكومة تراهن على الإنتاج المحلي
في مواجهة هذه الأزمة، تضع الحكومة آمالاً كبيرة على تشجيع التصنيع المحلي لقطع الغيار. ويشير رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون إلى أن الهدف هو “ترشيد وتنظيم الاستيراد حسب الشعب وكبح المضاربة”، مؤكدًا أن استيراد قطع الغيار لا يزال مفتوحًا ولم يصدر أي قرار بمنعه .
وقد تم تدشين أول وحدة لصناعة فرامل السيارات ببلدية أولاد موسى في بومرداس، كما أعلنت الوزارة عن نية إنشاء شبكة وطنية تجمع المتعاملين الاقتصاديين المتخصصين في صناعة قطع غيار السيارات .
وتقدّم شركة “بونشادة عبد الله” بولاية سطيف نموذجًا واعدًا، حيث ارتفعت نسبة الإدماج في صناعة كوابل المركبات لديها إلى 80%، وتغطي 45% من الطلب المحلي مع توجه نحو التصدير إلى إيطاليا وتونس .
لكن تطوير الصناعة المحلية يواجه تحديات كبيرة، في مقدمتها الإجراءات البيروقراطية وأزمة العقار الصناعي، ناهيك عن الحاجة إلى تكوين يد عاملة مؤهلة من الشباب لمرافقة مسيرة التصنيع .
نحو حلول مستدامة
يبدو أن أزمة ارتفاع أسعار قطع غيار السيارات في الجزائر أزمة مركّبة ومتشعبة، تجمع بين سوء تنظيم السوق، وعوامل خارجية، وتراكمات سياسات الاستيراد، وقدم الحظيرة الوطنية. ويتفق الخبراء والمتعاملون على أن الحل لا يمكن أن يكون أحاديًا، بل يتطلب مقاربة شاملة تجمع بين:
تبسيط الإجراءات الإدارية وتسريع معالجة ملفات الاستيراد عبر المنصات الرقمية.
تكثيف الرقابة على الأسواق لكبح المضاربة والممارسات الاحتكارية.
دعم حقيقي وفعّال للتصنيع المحلي مع تحرير العقار الصناعي ومحاربة البيروقراطية.
تكوين اليد العاملة المؤهلة للمساهمة في رفع نسبة الإدماج وجودة المنتوج المحلي.
ضبط سعر الصرف وتوفير تمويل كافٍ للمستوردين الحقيقيين.
وإلى أن تتحقق هذه الحلول، سيظل المواطن الجزائري عالقًا بين ندرة القطع وارتفاع الأسعار، في انتظار انفراج حقيقي لأزمة باتت تؤرق ملايين السائقين.


